سميح عاطف الزين
555
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فقال له سيده : ويحك يا عداس ، لا يصرفنّك عن دينك فإن دينك ، خير من دينه . . فأجاب عدّاس مخلصا : أما إنّه دين اللّه . فكله خير . وهكذا ، ولمّا لم يجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خيرا في الطائف ، كان لا بد له من العودة إلى مكة مهبط الوحي ، كي يتمكن من الاتصال بقبائل العرب ، التي ستفد إلى البلد الأمين ، بعد أن بات موعدها قريبا بحلول المواسم . . فقام يغذّ السير وبجانبه زيد بن حارثة ، حتى هبط الليل ، وهما في جوف الصحراء فارتميا على الرمال علّهما يأخذان قسطا من الراحة ، لشدة ما نالهما من التعب والإرهاق . . وتحت سماء الصحراء الصافية وفي هدأة السكون ، حيث لا حركة ، ولا ضوضاء ، ولا حسيس ، ولا أنيس ، إلّا توق النفس الكبيرة للاتصال بخالقها ، في إشراق روحانيّ ، لا تعرف تسابيحه إلّا ملائكة السماء ، راح صوت الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتهادى في جنبات البادية ، وهو يذكر اللّه تعالى ، ويسبّحه في عليائه . . فتستجيب له الكائنات التي تعرف حلاوة الإيمان ، وتستشعر حقيقة العبودية ، لكي تشاركه في تمجيده للخالق العظيم ، ولرب العوالم كلها ، وما تحمل ، وما تحتضن بين حناياها من العباد ، ومن مخلوقات اللّه من الإنس والجن . . ويصل صوت الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ترتيله القرآني إلى أسماع نفر من جن نصيبين « 1 » ، وهم في طريق ذهابهم إلى اليمن ، فيسترعي انتباههم هذا الذكر الحكيم ، فيجلسون وينصتون ، حتى يخفت الصوت قليلا ،
--> ( 1 ) قاعدة ديار ربيعة .